السبت 5 أبريل 2025 03:16 صـ 6 شوال 1446 هـ
جريدة النور
رئيس التحرير محمد حلمي
×

الإهتمام بـ”اليتيم”إرث حضارى قديم أوجبته الأديان السماوية

الجمعة 4 أبريل 2025 01:03 مـ 5 شوال 1446 هـ

كتبت:هيام فايز

تحتفل مصر والوطن العربى في أول جمعة من شهر إبريل كل عام بيوم اليتيم،و ذلك لإدخال البهجة والسرور في نفوس الأطفال الذين فقدوا آباءهم والتخفيف عنهم شعور الوحدة والفقد واليتم ودعمهم حتى يشعروا بأنهم ليسوا بمفردهم وهناك من يهتم بهم ويشعر بما يشعرون به.

ان فكرة تخصيص يوم لليتيم ترجع الى جمعية دار الاورمان التى طبقتها في مصر عام 2003 وتبنتها جامعة الدول العربية عام 2007 وسارت على خطاها العديد من البلدان في العالم، وذلك للتخفيف عن اليتامى آلام اليتم وغمرهم بالحنان عبر تنظيم الحفلات لهم ومنحهم الهدايا وتقديم الدعم النفسي والمعنوى لهم عبر تنظيم رحلات ترفيهية مميزة.

ان فكرة الإحتفاء بيوم اليتيم ورعايته ليست مستحدثة وانما ارث حضاري قديم فالحضارة الفرعونية القديمة اهتمت باليتيم وكفالته، وهو ما كشفته النقوش المحفورة على اللوحات الجنائزية الفرعونية.

وكما تذكر المصادر التاريخية، أن الملك أمنمحات كان يفتخر في العبارات المنقوشة بأنه لم يقهر أرملة، بل كان يعطيها مثلما كان يعطي للمرأة المتزوجة وكان يحنو على اليتيم، وتبرز النقوش على المعابد ايضا ان المصري القديم كان يؤكد ان حماية اليتيم هي حماية السماء، وكانت الأسر تكفُله وتخصص له مرضعة وتوصي بأن يحصل اليتيم الذي تكفُله على نصيب من الميراث.

كما كان القدماء أيضاً يحرصون على تعليم الأيتام في المدارس الملحقة بالمعابد وتكريم المتفوقين لتكون دفعة للاستمرار الناجح.

واهتمت الأديان الثلاثة بحقوق اليتيم وإكرامه والإحسان إليه، والحفاظ على ماله؛ وذكر اليتيم 17 مرة في القرآن الكريم، و14 مرة في الكتاب المقدس.

فنصوص التوراة دعت لحماية اليتيم وعدم الاساءة اليه تجنبا لغضب الاله، وهو ما تجلي في هذه النصوص: (22 لاَ تُسِئْ إِلَى أَرْمَلَةٍ مَا وَلاَ يَتِيمٍ. 23 إِنْ أَسَأْتَ إِلَيْهِ فَإِنِّي إِنْ صَرَخَ إِلَيَّ أَسْمَعُ صُرَاخَهُ).

24 (فَيَحْمَى غَضَبِي وَأَقْتُلُكُمْ بِالسَّيْفِ فَتَصِيرُ نِسَاؤُكُمْ أَرَامِلَ وَأَوْلاَدُكُمْ يَتَامَى.) (سفر الخروج، الإصحاح 22)

وفي الكتاب المقدس ايضا نجد نصوص (مزامير 10:14) "ولكنك اللهم ترى، أنت تلاحظ الشقاء والغم، أنت تجازي بيدك، إليك يسلم المسكين أمره، أنت ناصر اليتيم"، "بل دافعوا عن حق الضعيف واليتيم، انصفوا المسكين والمظلوم" (مزامير 3:82)

"أني أنقذت المسكين الذي استغاث، واليتيم الذي لا معين له" (أيوب 29:12)

الأحكام التي طلب الله من موسى النبي، أن يضعها أمام الشعب بعد نزوله من جبل سيناء "لا تسئ إلى أرملة ما ولا يتيم"، وعاد موسى النبي وذكّر الشعب، قائلًا "لا تعوّج حكم الغريب واليتيم إذا حصدت حصيدك في حقلك ونسيت حزمة في الحقل فلا ترجع لتأخذها للغريب واليتيم والأرملة تكون، لكي يباركك الرب إلهك في كل عمل يديك"، وبذلك أكد موسى النبي أن الناموس يحامي عن حقوق اليتيم.

قول داود النبي وهو يتغنى بإله الرحمة "غنوا لله رنموا لاسمه.. أبو اليتامى وقاضي الأرامل في مسكن قدسه".

أما نصوص االقرآن الكريم، فقد احتفت باليتيم وحذرت من قهره ودعت للاحسان اليه واكرامه ومنها نصوص:

1- {وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللّهِ أَوْفُواْ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} الأنعام 152

{وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولًا} الإسراء34

{كَلَّا بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ } الفجر17 ، {فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ }الضحى ، {فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ }الماعون2

{يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ }البقرة215

{إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا } النساء10

أما السيرة النبوية فقد ركزت وحفزت على كفالة اليتيم وجعلت من هذه الكفالة ضمانا لدخول الجنة كما قال الرسول عليه الصلاة السلام (أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة وأشار بأصبعيه السبابة والوسطى).

اتمنى ان نكون جميعا ممن يرزقون الجنة بكفالة اليتيم ن ونرعى اليتامي ونعطف عليهم طوال العام وليس يوما واحدا في السنة.

وقد أتفقت جميع الأديان السماوية على رعاية اليتيم ،فالإسلام يرى رعاية اليتيم من الأمور النبيلة،والله عزوجل حثنا فى القرآن الكريم على حسن معاملة اليتيم وحماية حقوقه،كما ان الرسول عليه الصلاة والسلام يقول" أنا وكافل اليتيم كهاتين وأشار إلى السبابة والوسطى، فهذا يدل على فضل كفالة اليتيم، وأن صاحبها له أجر عظيم، وأنه قريب من منزلة الرسول عليه الصلاة والسلام في الجنة، سواء كان اليتيم من أقاربه أو من غير أقاربه، فله أجر عظيم.

وقد حثت المسيحية على الإحسان الى اليتيم ورعايته فتدين تثنية 27:19 من الكتاب المقدس بشدة كلّ من يُهمل احتياجات اليتيم، قائلةً: "ملعون من يمنع العدل عن الغريب أو اليتيم أو الأرملة"، كما يُقدّم سفر التثنية أشدّ التعليمات تأثيرًا لرعاية اليتيم وتخصيص جزء من العُشر لهم فضلا عن دعوتهم إلى الأعياد وتخصيص جزء من الحصاد لهم.

وتتجلى العناية بكفالة اليتيم أيضًا في الأديان السابقة قبل الرسالة المحمدية، فقد سأل موسى نبي الله ربه: “ما جزاء من كفل يتيما؟”، فأوحى إليه الله عز وجل: “أظله في ظل عرشي يوم القيامة”، وتتضح هذه العناية في أبهى صورها في هذا التنافس الشريف الذي أنزل الله فيه قرآنا يتلى إلى يوم القيامة، في التنافس على كفالة مريم ابنة عمران، هذا التنافس الذي يدل على عظم وفضل ما يتنافسون علي، حيث يقول تعالى: (وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ).

وقد دخلت جمعية الأورمان التي كانت سبباً في الاحتفال باليتيم، موسوعة جينيس للأرقام القياسية عام 2010 عندما تجمع حوالي 25 ألف طفلاً من الأيتام في منطقة سفح الهرم بمحافظة الجيزة رافعين الأعلام المصرية لجذب الانتباه إليهم في مشهد مهيب نال احترام العالم، وبمرور الوقت ارتفعت أعداد الأيتام المشاركين في الاحتفالية السنوية بشكل ملحوظ، ليتحول الأمر إلى احتفال رسمي على مستوى الهيئات والمؤسسات، وهو ما كان يحلم به القائمون على الفكرة منذ البداية.

وعلى الرغم من تخصيص يوم للإحتفال باليتيم والإهتمام به،ومحاولة رسم بسمة على وجهه ،ومساندته ودعمه بوصفه جزء من المجتمع له نفس الحقوق والواجبات،إلا ان اليتيم يحتاج ان نرعاه طوال العام وبخاصة مع الظروف الصعبة التي يمر بها العالم أجمع، والتى تقتضي منَّا جميعًا المبادرة والمسارعة إلى إدخال السرور على الأيتام وتلبية متطلباتهم واحتياجاتهم.

ان رعاية اليتيم وحسن معاملته والرأفة به، والتي تمثل جانبًا إنسانيًا عاليًا ينبغي أن يتحلى به كل فرد من أفراد المجتمع حتى يعم الحب والسلام والتكافل، مع أهمية وعي المجتمع بأكمله بالعناية بهذه الشريحة المهمة في كل وقت وحين.